لم تعد سياسة القوة التركية تبدأ عند حدود البلاد منذ وقت طويل. فلم تعد تركيا تريد أن تكون مجرد جسر بين أوروبا وآسيا. بل تريد أن تقرر من يُسمح له باستخدام هذا الجسر، وتحت أي شروط، وبأي ثمن سياسي. في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، وسّعت أنقرة نفوذها إلى ما يتجاوز حدودها بكثير. فجنود أتراك موجودون في سوريا والعراق، ومستشارون عسكريون أتراك ينشطون في ليبيا والصومال، وطائرات مسيّرة تركية تغيّر طبيعة الحروب الإقليمية، فيما يحاول دبلوماسيو تركيا ترسيخ أنقرة وسيطاً لا غنى عنه بين روسيا وأوكرانيا والقوقاز والعالم العربي والغرب.
كل ذلك يتجاوز مجرد نشاط دبلوماسي خارجي. إذ يقف وراءه طموح إلى وضع تركيا بوصفها مركز قوة مستقلاً بين حلف شمال الأطلسي وروسيا وأوروبا والعالم الإسلامي. لا تريد أنقرة أن تكون جزءاً من نظام يفرضه الآخرون. بل تريد أن تشارك في صياغة هذا النظام.

Passende X-Beiträge
Aus dem SCHLAGSEITE X-Archivبالنسبة إلى إسرائيل، تكتسب هذه التطورات أهمية متزايدة. فكلا الدولتين تطالبان بالنفوذ في المساحات الاستراتيجية نفسها: في سوريا، وشرق البحر المتوسط، والقوقاز، والبحر الأحمر، وضمن النظام السياسي للشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، تدعم القيادة التركية حماس سياسياً، وتصف التحرك العسكري الإسرائيلي بانتظام بأنه غير مشروع، وتقدّم نفسها بوصفها قوة حامية للقضية الفلسطينية.
وهكذا تحولت العلاقة الصعبة إلى صراع نفوذ بنيوي. لا يعني ذلك اندلاع حرب وشيكة ومباشرة. لكنه يعني أن إسرائيل وتركيا تنظران إلى بعضهما بصورة متزايدة باعتبار كل منهما عائقاً أمام الأهداف الإقليمية للطرف الآخر.
ℹ️ موضوع هذا المقال
لا يمكن تفسير السياسة الخارجية التركية بالدين وحده، ولا بجنون العظمة الشخصي وحده. فالأيديولوجيا والمصالح الأمنية والأهداف الاقتصادية والتعبئة الداخلية وسياسة القوة التقليدية تتداخل جميعاً. لذلك لا يكمن العامل الحاسم في ما إذا كان أردوغان يحلم سراً بالإمبراطورية العثمانية. بل في الهياكل السياسية والعسكرية التي تبنيها أنقرة فعلياً.
العثمانية الجديدة تتجاوز كونها مجرد استعراض تاريخي
يُستخدم مصطلح العثمانية الجديدة كثيراً لوصف السياسة الخارجية لأردوغان. وهو يصيب أحياناً في وصف علاقة حقيقية، ويحل أحياناً أخرى محل تحليل أكثر دقة. لا تخطط تركيا لإعادة إقامة الإمبراطورية العثمانية رسمياً. لكنها تطالب بنفوذ سياسي وثقافي واقتصادي في مناطق كثيرة كانت تابعة لهذه الإمبراطورية ذات يوم.
ويمتد هذا النفوذ من البلقان عبر القوقاز وشرق البحر المتوسط إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتُستخدم الرموز التاريخية والمرجعيات الدينية وذاكرة الحكم العثماني بصورة متعمدة. وتقدّم أنقرة تركيا بوصفها القوة القيادية الطبيعية لمنطقة تُصوَّر حدودها الحالية ونظامها السياسي كثيراً على أنهما نتيجة للتدخل الغربي.
ويربط أردوغان هذا الاستحضار التاريخي بمشروع قومي حديث. ولا تقتصر لغته السياسية على الأتراك المحافظين دينياً. فهي تخاطب أيضاً جمهوراً يريد أن يرى تركيا أمة قوية عسكرياً، مستقلة تكنولوجياً، وتحظى بالاحترام على الصعيد الدولي.
في هذا النموذج، لا يتعارض الدين مع القومية. بل يكمل أحدهما الآخر. فالإسلام يوفّر العمق التاريخي والارتباط العاطفي. أما القومية التركية فتوفّر الدولة والجيش ومطلب القوة.
وتصف السياسة الخارجية التركية الرسمية هذا المسار بعبارات أكثر تحفظاً. ففي عرضها الرسمي لسياستها الخارجية تتحدث أنقرة عن «قرن تركيا»، وعن الاستقلالية الاستراتيجية، وعن سياسة ينبغي أن تكون قوية في آن واحد «على طاولة المفاوضات وفي الميدان». غير أن هذه الصياغة نفسها تظهر كيف تفهم أنقرة الدبلوماسية: لا ينبغي للمفاوضات أن تحل محل القوة العسكرية. بل ينبغي للقوة العسكرية أن تفرض مفاوضات أفضل.
لا تبني تركيا إمبراطورية، بل شبكة
لا تعمل إسقاطات القوة التركية مثل سياسة غزو تقليدية. فلا تقوم أنقرة ببساطة بضم دول أجنبية. بل تبني شبكة من القواعد العسكرية، وبعثات التدريب، والتعاون في مجال التسلح، والعلاقات التجارية، وأوجه التبعية السياسية، والمؤسسات الثقافية.
في شمال سوريا تسيطر تركيا على مناطق بمحاذاة حدودها أو تؤثر فيها. وتعمل هناك القوات التركية بالتعاون مع جماعات سورية متحالفة معها. وتبرر أنقرة هذا الوجود أساساً بالتهديد الذي تمثله منظمات كردية تعتبرها فروعاً لحزب العمال الكردستاني.
وفي شمال العراق تحتفظ تركيا منذ سنوات بمواقع عسكرية وتنفذ عمليات ضد حزب العمال الكردستاني. وتصبح سيادة العراق في هذا السياق موضوعاً متكرراً للخلافات الدبلوماسية. إلا أن أنقرة تعتبر مكافحة الهياكل الكردية المسلحة مصلحة أمنية تتقدم على غيرها.
وفي ليبيا ساعدت تركيا الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس عسكرياً ضد قوات الجنرال خليفة حفتر. وأسهمت الطائرات المسيّرة والمستشارون والمقاتلون المتحالفون مع تركيا في وقف تقدم حفتر. وفي المقابل، أبرمت أنقرة مع طرابلس اتفاقاً بشأن الحدود البحرية في البحر المتوسط، ترفضه اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي.
وفي الصومال تدير تركيا قاعدة مهمة للتدريب العسكري. ويضاف إلى ذلك مشاريع اقتصادية ومساعدات للبنية التحتية وتعاون سياسي. وبذلك تحصل أنقرة على منفذ إلى منطقة استراتيجية مهمة قرب خليج عدن وطرق التجارة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.
وفي القوقاز دعمت تركيا أذربيجان سياسياً وعسكرياً وتكنولوجياً. وأصبحت تكنولوجيا الطائرات المسيّرة التركية رمزاً واضحاً لنجاح أذربيجان ضد أرمينيا. وبذلك لم تعزز أنقرة حليفاً وثيقاً فحسب، بل عززت أيضاً نفوذها هي على المحيط الجنوبي لروسيا.
والنتيجة ليست منطقة حكم متصلة. بل هي شيء أكثر حداثة: شبكة من القواعد الاستراتيجية والشركاء وأوجه التبعية.

سوريا تتحول إلى بؤرة استراتيجية
يتجلى التنافس الجديد بين تركيا وإسرائيل بوضوح خاص في سوريا. بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 اكتسبت أنقرة نفوذاً كبيراً في إعادة الترتيب السياسي للبلاد. وتدعم تركيا رسمياً وحدة الدولة السورية، لكنها تريد في الوقت نفسه منع قيام هيكل كردي يتمتع بحكم ذاتي دائم على حدودها الجنوبية.
أما إسرائيل فتتبع أولويات مختلفة. إذ تريد القدس منع سوريا من التحول مجدداً إلى منصة انتشار عسكري للقوى المعادية. ويشمل ذلك المنظمات الإيرانية والميليشيات الإسلامية وأي جيش جديد قد يشكل تهديداً لإسرائيل على المدى الطويل.
لذلك يتمحور السؤال الأساسي حول: من سيشكّل المنظومة الأمنية لسوريا الجديدة؟
تريد أنقرة أن تؤدي دوراً قيادياً في بناء قوات الأمن السورية والهياكل العسكرية والمؤسسات الحكومية. أما إسرائيل فلا تعتبر على الإطلاق أن قيام نظام عسكري تهيمن عليه تركيا في سوريا يمثل بالضرورة تحسناً مقارنة بالوجود الإيراني السابق.
ولا يعود السبب إلى خطاب أردوغان وحده. فالرادارات التركية وأنظمة الدفاع الجوي والمستشارون العسكريون أو القواعد الدائمة قد تقيد حرية إسرائيل العملياتية الحالية في المجال الجوي السوري. وفي الوقت نفسه، قد تستخدم أنقرة نفوذها السياسي للضغط دولياً على الإجراءات الأمنية الإسرائيلية عند الحدود السورية.
وقد أدانت وزارة الخارجية التركية بشدة الضربات الإسرائيلية على البنية التحتية العسكرية في جنوب سوريا في مارس 2026 و في يونيو 2026، وأعلنت أن أنقرة ستدعم النظام السوري الجديد ووحدة أراضي البلاد. ومن وجهة النظر التركية، تتصرف إسرائيل بطريقة مزعزعة للاستقرار. أما من وجهة النظر الإسرائيلية، فتحول إسرائيل دون قيام بنية تحتية عسكرية خطرة مجدداً على حدودها مباشرة.
تعلن الدولتان أن دوافعهما أمنية. لكن كلتيهما تقصدان شيئاً مختلفاً تماماً.
⚠️ النقطة الخطرة
إن نشوب حرب تركية إسرائيلية مباشرة ليس حتمياً، وليس السيناريو الأكثر ترجيحاً في الوقت الراهن. بل تكمن الخطورة في الاشتباكات غير المخطط لها، ومناطق النفوذ المتعارضة، وسوء التقدير العسكري في سوريا. وكلما زاد استخدام الأنظمة والمستشارين الأتراك هناك، ازدادت الحاجة إلى تفاهمات واضحة لتجنب التصعيد.
حماس ليست بالنسبة إلى أنقرة طرفاً عادياً في الحوار
ومن أكثر ما يثقل كاهل العلاقة مع إسرائيل الموقف التركي من حماس. فلا يصف أردوغان المنظمة بأنها منظمة إرهابية، بل يصفها علناً بأنها حركة مقاومة فلسطينية. وقد استُقبل مسؤولو حماس مراراً في تركيا. وفي مارس 2026، التقى وزير الخارجية هاكان فيدان وفداً من حماس في أنقرة. وكان أردوغان قد استقبل في عام 2024 إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحماس آنذاك، في مكتب الرئيس في إسطنبول.
وتقدّم أنقرة هذه الاتصالات باعتبارها جزءاً من دورها كوسيط. وفي الواقع، قد يكون من المفيد في النزاعات إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع جهات ترفضها سياسياً. لكن علاقة تركيا بحماس تتجاوز قنوات الحوار العملية.
فأردوغان يدافع عن المنظمة علناً، ويتبنى عناصر أساسية من روايتها السياسية، ويوجه انتقاداته بصورة تكاد تكون حصرية إلى إسرائيل. وكثيراً ما تختفي في هذا العرض مجزرة 7 أكتوبر 2023 وخطف الرهائن والاستخدام المنهجي للبنية التحتية المدنية من جانب حماس خلف اتهام عام للدولة اليهودية.
وهكذا تتحول القضية الفلسطينية بالنسبة إلى أنقرة إلى أشياء عدة في آن واحد: إلى رابط أيديولوجي بالعالم الإسلامي، وأداة للتعبئة الداخلية، ووسيلة لمهاجمة الشرعية الإقليمية لإسرائيل.
تقدّم تركيا نفسها مدافعاً عن الفلسطينيين، لكنها نادراً ما تتعامل بوضوح مع حكم حماس باعتباره جزءاً من مشكلتهم.
بالنسبة إلى إسرائيل، لا يمثل ذلك مسألة خطابية هامشية. فالقوة الإقليمية التي ترفع من مكانة مسؤولي حماس سياسياً، وتوسّع في الوقت نفسه نفوذها العسكري في سوريا، ستُقيَّم في القدس حتماً بصورة مختلفة عن شريك عادي في حلف شمال الأطلسي.
شرق البحر المتوسط هو ساحة الصراع الثانية

إلى جانب سوريا، يشكل شرق البحر المتوسط المجال الكبير الثاني للتنافس التركي الإسرائيلي. وهناك تتقاطع مصالح الطاقة والحدود البحرية والاستراتيجيات العسكرية والتحالفات الإقليمية.
وقد عززت إسرائيل تعاونها مع اليونان وقبرصفي السنوات الماضية. تربط التدريبات العسكرية المشتركة ومشروعات الطاقة والمشاورات السياسية بين ثلاث دول تتوافق مصالحها تجاه أنقرة في نقاط مهمة.
لا تعترف تركيا بجمهورية قبرص وتدعم جمهورية شمال قبرص التركية التي لا تعترف بها سوى أنقرة. وفي الوقت نفسه، تطالب بمناطق بحرية واسعة وترفض التفسيرين اليوناني والقبرصي للمناطق الاقتصادية الخالصة.
ومن خلال الاتفاق التركي الليبي بشأن مناطق الاختصاص البحري، حاولت أنقرة فرض نظام جغرافي خاص بها في البحر المتوسط. وقد أعلن الاتحاد الأوروبي أن هذا الاتفاق ينتهك الحقوق السيادية لدول أخرى، ولا يتوافق مع قانون البحار، ولا يمكن أن تترتب عليه آثار قانونية تجاه الدول الثالثة.
بالنسبة إلى إسرائيل، لا يتعلق الأمر بخطوط مجردة على الخرائط فحسب. فحقول الغاز البحرية، وكابلات الاتصالات البحرية، وخطوط الأنابيب المحتملة، وأمن الممرات البحرية، كلها مصالح استراتيجية. ومن يحدد نظام شرق البحر المتوسط يؤثر أيضًا في هامش التحرك الاقتصادي والأمني الإسرائيلي.
صناعة الدفاع تغيّر خيارات أنقرة
لم يكن بوسع تركيا أن تتابع أهدافها في السياسة الخارجية بالعزم نفسه لو كانت تعتمد بالكامل على إمدادات الأسلحة الأجنبية. لذلك تستثمر أنقرة منذ سنوات بكثافة في صناعة دفاع محلية.
وتبرز خصوصًا الطائرات التركية المسيّرة القتالية. فقد استُخدمت منظومات مثل Bayraktar TB2 في عدة نزاعات، وصُدّرت إلى دول مختلفة حول العالم. ويضاف إلى ذلك السفن الحربية، والمركبات المدرعة، والصواريخ، والحرب الإلكترونية، ومشروع الطائرة القتالية التركية KAAN.
وليس من الضروري أن تكون هذه المنظومات رائدة عالميًا في كل فئة تقنية حتى تكون ذات قيمة سياسية. فالمهم هو أن تركيا تستطيع توريد الأسلحة من دون أن تعتمد في كل عملية خارجية على موافقة من واشنطن أو برلين أو باريس.
وبحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI، زادت تركيا إنفاقها العسكري في عام 2025، بالقيمة الحقيقية، بنسبة 7,2 في المائة ليصل إلى نحو 30 مليار دولار أمريكي. ويذكر SIPRI، من بين أسباب أخرى، العمليات العسكرية التركية في سوريا والعراق والصومال.
لا يبدأ الاستقلال الاستراتيجي بالخطب. بل يبدأ بقاعات الإنتاج وقطع الغيار والذخيرة وسلاسل الإمداد الخاصة.
لذلك فصناعة الدفاع ليست مجرد مشروع اقتصادي. إنها الأساس المادي للسياسة الخارجية التركية.
عضوية الناتو تحمي أنقرة وتقيّدها في الوقت نفسه
تركيا عضو في الناتو منذ عام 1952. وتمتلك أحد أكبر جيوش الحلف، وتسيطر استنادًا إلى اتفاقية مونترو على المضائق التركية بين البحر الأسود والبحر المتوسط، وتقع عند تقاطع عدة مناطق أزمات. ولا يمكن لأي خطة أمنية غربية جادة لجنوب شرق أوروبا أو البحر الأسود أو الشرق الأوسط أن تتجاهل تركيا بالكامل.
وتستغل أنقرة هذه الأهمية بمهارة. فهي تتعاون مع الغرب، لكنها تشتري في الوقت نفسه منظومات أسلحة روسية. وتدعم أوكرانيا، لكنها تبقي الحوار مفتوحًا مع موسكو. وهي جزء من الناتو، لكنها تعرقل أو تؤخر القرارات عندما تتوقع مقابل ذلك تنازلات سياسية.
وغالبًا ما توصف هذه السياسة بأنها متناقضة. لكنها، من وجهة نظر أنقرة، متسقة: تريد تركيا استخدام التحالفات من دون السماح لها بتقييدها بالكامل.
تمنح عضوية الناتو تركيا الحماية والنفوذ. لكنها لا تعني أن الحلف سيجعل تلقائيًا من كل نزاع إقليمي تخوضه أنقرة نزاعًا خاصًا به. فالمادة 5 تلزم كل عضو في الحلف بتقديم الدعم الذي يراه هو نفسه ضروريًا. ولذلك فهي ليست تفويضًا عسكريًا تلقائيًا لتصعيدات من صنع العضو نفسه، ولا دعمًا تلقائيًا لأي عمليات عسكرية تركية خارج منطقة الحلف.
ولهذا تحديدًا، فإن احتمال اندلاع حرب تركية إسرائيلية مفتوحة معقد سياسيًا. فكلا الدولتين مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا بالولايات المتحدة، لكن إسرائيل ليست عضوًا في الناتو. وستكون لواشنطن مصلحة قوية في منع مواجهة مباشرة.
يمكن لأنقرة استخدام الناتو خلفية استراتيجية. لكنها لا تستطيع جر الحلف اعتباطًا إلى طموحاتها الإقليمية.
بين القوة الفعلية والمبالغة السياسية في تقدير الذات
تركيا قوة إقليمية مهمة. فهي تضم أكثر من 80 مليون نسمة، وجيشًا كبيرًا، وصناعة دفاع متنامية، وموقعًا جغرافيًا مهمًا، وشبكة دبلوماسية واسعة. ومن يقلل من شأن أنقرة باعتبارها مجرد مشاغب صاخب يستخف بالبلاد.
لكن من الخطأ بالقدر نفسه التعامل مع تركيا باعتبارها قوة عظمى لا يمكن وقفها. فأسسها الاقتصادية تظل عرضة للخطر. إذ يحد التضخم، وانهيار العملة، والاعتماد على واردات الطاقة، والحاجة إلى رأس المال الأجنبي، من هامش التحرك في السياسة الخارجية.
كما أن شبكة النفوذ التركية ليست خالية من التناقضات. فالشركاء يتعاونون مع أنقرة لأنهم يحتاجون إلى الأسلحة التركية أو الاستثمارات أو الدعم السياسي. لكن ذلك لا يعني ولاءً دائمًا.
ولا تقبل روسيا النفوذ التركي إلا حيث لا يتعارض جوهريًا مع مصالحها. وتنظر الدول العربية بعين الريبة إلى قرب أردوغان من جماعة الإخوان المسلمين. وتسعى اليونان وقبرص إلى الحماية عبر شراكات أوروبية وإقليمية. ويرى الفاعلون الأكراد في تركيا تهديدًا وجوديًا. أما إسرائيل فتمتلك قدرات عسكرية وتكنولوجية واستخبارية لا تستطيع أنقرة ببساطة تجاهلها.
القوة التركية حقيقية. أما القدرة التركية المطلقة فدعاية.
إسرائيل وتركيا ليستا عدوتين طبيعيتين
رغم كل التوترات، ليس محتمًا أن تكون إسرائيل وتركيا عدوتين دائمتيْن. فقد تعاون البلدان عن كثب في الماضي. وأظهرت أوجه التعاون العسكري والتجارة والسياحة والعلاقات الدبلوماسية أن المصالح المشتركة ممكنة.
ولا تزال هناك اليوم مجالات يكون فيها التفاهم أمرًا منطقيًا. ومن بينها الاستقرار الإقليمي، وإمدادات الطاقة، والتجارة، واحتواء النفوذ الإيراني، ومنع الانهيار الكامل لسوريا.
المشكلة ليست في تعارض حتمي بين الأتراك والإسرائيليين. بل في الاتجاه السياسي للقيادة التركية. فإردوغان يستخدم إسرائيل بانتظام كصورة لعدو داخلي، ويرفع من مكانة حماس سياسيًا، ويربط السياسة الإقليمية التركية بادعاء الظهور متحدثًا باسم العالم الإسلامي.
وطالما استمر هذا النهج، ستظل التقاربات الدبلوماسية هشة. فقد يعود السفراء، وتنمو العلاقات التجارية، وتجري المحادثات. لكن التنافس الاستراتيجي يتصاعد تحت هذا السطح الدبلوماسي.
الصراع الحقيقي يدور حول النظام الذي سيعقب الحرب
غيّرت النزاعات منذ 7 أكتوبر 2023 موازين القوى في الشرق الأوسط. فقد تلقت حماس ضربة عسكرية قاسية. وخسرت حزب الله جزءًا من قوته السابقة. وتعرضت البنى الإقليمية لإيران لضغوط. وانهار نظام الأسد.
فعندما تضعف مراكز القوى القديمة، تنشأ مساحات أمام فاعلين جدد. وترى تركيا في ذلك فرصة تاريخية. إذ تستطيع توسيع نفوذها في سوريا، وتقديم نفسها قوةً قياديةً في العالم السني، وترسيخ صناعتها الدفاعية أكثر، وتحدي النظام السياسي لشرق البحر المتوسط.
وتنظر إسرائيل إلى التطور نفسه من منظور مختلف. فالدولة اليهودية تريد منع أن تحل محل التهديد الإيراني بنيةُ قوة إسلامية أو تركية الهيمنة جديدة.
ولذلك لا يتعلق الأمر بغزة أو سوريا أو بخلافات دبلوماسية منفردة فحسب. بل يتعلق بالسؤال عن الجهة التي ستشكل النظام الإقليمي بعد الحروب الراهنة.
تعتمد أنقرة على الحجم والعمق الجغرافي والحضور العسكري والنفوذ السياسي. وتعتمد إسرائيل على التفوق التكنولوجي وأجهزة الاستخبارات والقوة الجوية والشراكات الاستراتيجية والردع الحازم.
كلا الدولتين مهمتان أكثر من أن تتجاهل إحداهما الأخرى. وكلتاهما قويتان أكثر من أن تتمكنا من إقصاء الأخرى ببساطة من المنطقة. وهنا تحديدًا يكمن الخطر.
✔️ خلاصة
سياسة القوة التي ينتهجها إردوغان ليست مجرد خيال، كما أنها ليست إعادة بناء وشيكة للإمبراطورية العثمانية. فتركيا تبني شبكة نفوذ حقيقية من القواعد العسكرية، والتعاونات الدفاعية، والشراكات السياسية، وأوجه الاعتماد الاقتصادي.
وينشأ عن ذلك بالنسبة إلى إسرائيل تحدٍّ استراتيجي، ولا سيما في سوريا وشرق البحر المتوسط. الحرب المباشرة ليست حتمية. لكن التنافس الطويل الأمد أصبح واقعًا بالفعل.
الخلاصة: أنقرة تريد القمة لا الهامش
لقد غيّر إردوغان السياسة الخارجية التركية تغييرًا جذريًا. فلم تعد تركيا تنتظر أن تحدد أوروبا أو الولايات المتحدة أو روسيا دورًا لها. بل تصنع هذا الدور بنفسها.
وهذا يستحق اهتمامًا رصينًا. فمن يسخر من كل مبادرة تركية باعتبارها ضربًا من جنون العظمة يسيء تقدير قدرات أنقرة الفعلية. ومن يأخذ صورة إردوغان عن نفسه على محمل الحقيقة يخلط بين الدعاية والقوة.
ليست تركيا قوة عظمى جديدة. لكنها قوة إقليمية ذات طموحات عالمية، وأدوات عسكرية، وإرادة واضحة لدفع الحدود القائمة للتأثير السياسي.
لذلك لا تتمثل مهمة إسرائيل في الرد على كل استفزاز تركي بخطاب خاص بها. بل تتمثل العناصر الحاسمة في تحالفات متينة، وحرية تحرك عسكرية، وخطوط حمراء واضحة في سوريا، وتعاون دائم مع اليونان وقبرص وشركاء إقليميين آخرين.
تحلم أنقرة بنظام لا يمر فيه أي طريق من دون المرور بتركيا. وعلى إسرائيل أن تضمن ألا يمر هذا الطريق عبر أمنها.
ℹ️ أساس الحقائق والمصادر الأولية للمقال 📑
▶️ وزارة الخارجية التركية:
السياسة الخارجية الوطنية في «قرن تركيا»
عرض رسمي للسياسة الخارجية التركية، ولمطالبتها بالاستقلال الاستراتيجي، وهدفها المتمثل في المشاركة بنشاط في تشكيل النظامين الإقليمي والدولي.
▶️ وزارة الخارجية التركية:
بيان بشأن الهجوم الإسرائيلي في جنوب سوريا في 20 مارس 2026 وبيان بشأن الهجمات الإسرائيلية في سوريا في 29 يونيو 2026
الموقف التركي الرسمي من العمليات العسكرية الإسرائيلية، ومن وحدة الأراضي السورية، ومن دور أنقرة في استقرار البلاد.
▶️ مجلس الأمن القومي التركي:
بيان 8 أبريل 2026
الأولويات الأمنية الرسمية لأنقرة بشأن الإرهاب، والنزاعات الإقليمية، وإيران، وإسرائيل، وأمن الحدود التركية.
▶️ معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام:
استمرار ارتفاع الإنفاق العسكري العالمي مع زيادة النفقات الأوروبية والآسيوية
بيانات حديثة عن الإنفاق العسكري التركي في عام 2025، وعن التبعات المالية للعمليات في سوريا والعراق والصومال.
▶️ الناتو:
الدفاع الجماعي والمادة 5
شرح رسمي للدفاع الجماعي، والتزامات المساعدة، وهامش التحرك المتاح لأعضاء الناتو منفردين.
▶️ المجلس الأوروبي:
الموقف من الاتفاق التركي الليبي بشأن مناطق الاختصاص البحري
عرض لوجهة النظر القانونية الأوروبية، التي ترى أن الاتفاق يمس الحقوق السيادية لدول أخرى، ولا يتوافق مع قانون البحار، ولا تترتب عليه آثار قانونية تجاه الدول الثالثة.
▶️ جوديشه ألغيماينه:
«أوهام أنقرة حول القوة»
نقطة انطلاق صحفية للتحليل المستقل للسياسة الإقليمية التركية وتأثيراتها على إسرائيل.
🔎 اكتشفتَ خطأً أو لديك نقد أو إضافة؟
يمثّل موقع SCHLAGSEITE.eu البحث الدقيق والتصحيحات الشفافة. اكتشفتَ خطأً موضوعيًا أو صياغةً غير واضحة أو رابطًا معطّلًا؟ إذن أرسل إليّ ملاحظتك. يُرجى، إن أمكن، ذكر مصدر يمكن التحقق منه.






