يثير الفيلم الوثائقي «نازا» اتهاماً بعمليات قتل بالذكاء الاصطناعي في غزة، وبالتالي اتهامات خطيرة ضد أسلوب إسرائيل في شن الحرب. ويصف 24 عسكرياً وموظفاً في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ظهروا بهويات مجهولة نظاماً يُفترض أن تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي أدّيا فيه دوراً محورياً في اختيار أهداف محتملة. وينفي الجيش الإسرائيلي روايات أساسية. ولا يبدأ الخلاف الحقيقي بالسؤال عما إذا كانت إسرائيل تستخدم تقنيات حديثة لمعالجة البيانات، بل بما الذي تقرره هذه التقنيات وما يظل البشر هم من يقررونه.
يحمل عنوان الفيلم نفسه رسالة. «نازا»، بالعبرية נז״א، هو اختصار عسكري لعبارة «nezek agavi»، أي الأضرار الجانبية تقريباً. والمقصود في الفيلم خصوصاً هو العدد المقدّر للضحايا المدنيين المحتملين قبل الهجوم. وهذه التقديرات ليست إجراءً إسرائيلياً خاصاً. فالقوات التابعة لحلف شمال الأطلسي تستخدم أيضاً إجراءات «تقدير الأضرار الجانبية»، اختصاراً CDE، لإدخال الأضرار المدنية المتوقعة في التقييم العسكري والقانوني للهجوم.
This is completely false.
The IDF has never planned, approved, or carried out a strike in Gaza in which 500 civilians or anything near that number were anticipated to be killed. Nor was any credible claim raised throughout the war suggesting that an IDF strike had caused… https://t.co/wFUNt7bYTM
— Israel Defense Forces (@IDF) September 13, 2026
إن حساب جيشٍ للضحايا المدنيين المحتملين قبل الهجوم لا يثبت وجود نية لقتل المدنيين. بل يفرض القانون الدولي الإنساني فحص ما إذا كان الضرر المدني المتوقع سيكون مفرطاً مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة. ولذلك لا يكمن السؤال الصعب في ما إذا كانت الأضرار الجانبية تُقدَّر، بل في كيفية التوصل إلى هذا التقدير، وما الأهمية العسكرية للهدف، وما المخاطر التي يجري قبولها في نهاية المطاف.
في 11 سبتمبر 2026، ردّ الجيش الإسرائيلي رسمياً على «نازا». الجيش الإسرائيلي رسمياً على «نازا». وتنفي القوات المسلحة الاتهامات الأساسية، وتشكك خصوصاً في إمكانية التحقق من أقوال مجهولة المصدر، وكذلك في الروايات المتعلقة باختيار مزعوم آلياً للأهداف.

Passende X-Beiträge
Aus dem SCHLAGSEITE X-Archiv24 صوتاً مجهولاً ورواية معروفة بالفعل
أخرج يوفال أبراهام وراشيل زور فيلم «نازا»، وعُرض للمرة الأولى في 10 سبتمبر ضمن مهرجان البندقية السينمائي الدولي. ويستند الفيلم إلى محادثات مع 24 شخصاً كانوا، وفقاً لصانعي الفيلم، يعملون في الجيش الإسرائيلي أو في وحدات استخبارات، وكانت لديهم معرفة بإعداد العمليات العسكرية. وقد أُخفيت الوجوه والأصوات، ولا يمكن التحقق علناً من هوياتهم.
ولا يُعد يوفال أبراهام مجرد مخرج مشارك لفيلم وثائقي جديد. فقد نشر في 3 أبريل 2024 لدى +972 Magazine بالتعاون مع Local Call تحقيق لافندر الكبير، زُعم فيه، استناداً إلى ستة مصادر مجهولة، أن الجيش الإسرائيلي استخدم أداة البيانات «لافندر» لتحديد آلاف الأهداف المحتملة مع قدر محدود من الرقابة البشرية.
ويواصل «نازا» خط التحقيق هذا صراحةً. وتنتج صحيفة الغارديان الفيلم بالتعاون مع JW Films، بينما يشغل جوناثان غليزر منصب المنتج التنفيذي. ويوضح الغارديان نفسه في إعلانه أن الفيلم يستند إلى تحقيقات أجرتها +972 Magazine وLocal Call والغارديان بين عامي 2023 و2025.
وهذا لا يدحض الاتهامات. لكنه مهم مع ذلك لنقد المصادر: فالفيلم والمقالات السابقة وأجزاء من التغطية الإعلامية المصاحبة ليست ثلاث سلاسل أدلة مستقلة عن بعضها. فهي تنحدر جزئياً من البيئة البحثية نفسها، وتواصل تطوير الطرح نفسه في صيغ مختلفة. وقد يتضمن فيلم جديد مواد جديدة، لكن تكرار ادعاء في وسيلة إعلامية أخرى لا يجعله تأكيداً مستقلاً.
شبكة أبراهام تعود إلى فترة أسبق
لم يبدأ التعاون السياسي والصحفي بين أبراهام والناشطين والصحفيين الفلسطينيين مع «لافندر». ففي عام 2019، أسس بالتعاون مع الصحفي أحمد النعوق، المنحدر من غزة، مشروع «Across the Wall». وكان الهدف ترجمة نصوص فلسطينيين شباب إلى العبرية، والوصول بها تحديداً إلى جمهور إسرائيلي. ووصف النعوق المشروع بنفسه عام 2022 بأنه محاولة لتغيير تمثيل الفلسطينيين في وسائل الإعلام الإسرائيلية.
ولم يُخفَ التوجه السياسي. فقد كتب النعوق في مقال خاص به لدى The New Arab أن «Across the Wall» يتبنى صراحةً حل الدولة الواحدة بوصفه الرؤية السياسية المركزية للمشروع، وأن هذا الموقف يحظى بدعم الفريق بأكمله. ووصف أبراهام النعوق لاحقاً في +972 Magazine بأنه صديق وزميل مقرّب، وذكّر بأنهما أسسا معاً صفحة فيسبوك العبرية.
ومن المهم بالقدر نفسه عند التصنيف التمييز بين الروابط المثبتة والادعاءات التي تتجاوزها. فلا يوجد في المصادر العامة الموثوقة المتاحة دليل على الادعاء المتداول عبر الإنترنت بأن أحمد النعوق نفسه عضو في حماس. وقد أفادت لوموند عام 2023، نقلاً عن تحقيق سابق لها، بأن شقيق النعوق، أيمن، كان عضواً في كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحماس. وهذا ليس هو نفسه عضوية أحمد النعوق في حماس.
وبذلك تتضح خلفية أبراهام الصحفية بصورة أكبر: فـ«نازا» لا يأتي معزولاً، بل يتبع سنوات من المشاريع المشتركة والتحقيقات والعمل الإعلامي ذي المواقف السياسية الواضحة. وهذا لا يجعل عمله خاطئاً تلقائياً. لكنه جزء ذو صلة بنقد المصادر، لأن المنشأ والشبكات والآراء المطروحة سابقاً تؤثر في كيفية وزن الأقوال الجديدة والتحقق منها بصورة مستقلة.
الضغط الدولي جزء من الخط السياسي لأبراهام
في 13 سبتمبر 2026، نشر حساب دانيال هانوكا على منصة X مقطع فيديو قديماً لأبراهام، وقدّمه في إطار اتهام بـ«الخيانة». ويربط المنشور المقطع مباشرةً بـ«نازا»، ويزعم أن أبراهام يريد تقليص اختلال موازين القوة بين إسرائيل والفلسطينيين، وأنه يسعى لتحقيق ذلك عبر ممارسة ضغط دولي على إسرائيل. ومن المهم عند التصنيف الفصل بين الإطار الجدلي والمحتوى الفعلي: فالمقطع لا يتناول إجراءات الاستهداف العسكرية، ولا لافندر، ولا الموافقة المزعومة على 500 ضحية مدنية متوقعة. بل يتناول تصور أبراهام السياسي لاستخدام الضغط الخارجي رافعةً للتوصل إلى حل سياسي.
ويمكن إثبات هذا الموقف بصورة مستقلة عن المنشور واسع الانتشار. ففي ديسمبر 2021، كتب أبراهام في مقال وثقته +972 Magazine عن الشيخ جراح أن الضغط الدولي العاجل وحده كان قادراً على منع إخلاء كان وشيكاً آنذاك. كما أوضح أبراهام، وفقاً لما أوردته رويترز، خلال العرض الأول لـ«نازا» في البندقية، أن العدالة والمساءلة عن الوفيات المدنية في غزة تعتمدان أيضاً على الإرادة السياسية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وعليه، فإن الضغط الدولي ليس دافعاً أُلصق بـ«نازا» بأثر رجعي لدى أبراهام، بل هو جزء من خط سياسي وصحفي يمكن رصده منذ فترة أطول. وبالنسبة إلى تقييم الفيلم، يترتب على ذلك أمران: فهو يفسر لماذا ينظر أبراهام صراحةً إلى الرأي العام الدولي باعتباره رافعة سياسية. لكنه لا يثبت الاتهامات العسكرية التي يطرحها الفيلم ولا يدحضها. ولذلك ينبغي تقييم «نازا» استناداً إلى أدلته المحددة، لا إلى التصفيق أو الاستنكار أو النية السياسية لمخرجه المشارك.
الادعاء بوجود 500 ضحية مدنية متوقعة
يمكن الآن تحديد أخطر اتهام منفرد بصورة ملموسة. ففي مقطع منشور من «نازا»، يُسأل شخص مجهول المصدر عن أعلى عدد من الضحايا المدنيين المتوقعين سبق أن أُجيز لهجوم ما. وتأتي إجابته، بمعناها التقريبي، بأنه جرت ذات مرة الموافقة على 500.
وردّ الجيش الإسرائيلي على ذلك مرة أخرى في 13 سبتمبر، بصورة منفصلة وأكثر تحديداً بكثير من بيانه الأول بشأن الفيلم. ووفقاً لرواية الجيش، لم يُخطط قط لهجوم في غزة أو يُعتمد أو يُنفذ مع توقع مقتل 500 مدني أو حتى عدد يقترب من ذلك من الضحايا المدنيين. ووصف الجيش الادعاء بأنه كاذب، موضحاً أن صانعي الفيلم لا يستطيعون إثبات الإفادة التي يستند إليها الادعاء، ولا هوية الشخص الذي أُجريت معه المقابلة ولا وظيفته المحددة بصورة مستقلة.
وعلى الأقل في هذه النقطة، يوجد بذلك تعارض واضح قابل للتحقق: فمن جهة، هناك إفادة شخص مجهول المصدر. ومن جهة أخرى، هناك نفي صريح من المؤسسة التي يُفترض أن تكون لديها خطط العمليات ذات الصلة. ولا توجد حتى الآن سجلات عمليات متاحة علناً أو أدلة مستقلة أخرى من شأنها تأكيد الرقم المحدد، 500.
الذكاء الاصطناعي واختيار الأهداف:
يعرض الفيلم الأنظمة الخوارزمية بوصفها القوة المحركة لاختيار الأهداف في غزة. ومن الموثق علناً أن الجيش الإسرائيلي يستخدم «هبسورا» و«لافندر» وأدوات أخرى للبيانات. ويوضح الجيش الإسرائيلي أن هذه الأنظمة لا يُسمح لها بتحديد شخص أو جسم بنفسها هدفاً للهجوم، وأن الهجمات لا يوافق عليها إلا البشر.
500 ضحية مدنية متوقعة:
يزعم شخص مجهول المصدر في الفيلم أن اعتماد مثل هذا الرقم جرى مرة واحدة. ولا يوجد سجل عمليات مستقل متاح علناً بشأن ذلك. ويؤكد الجيش الإسرائيلي صراحةً أنه لم يخطط قط لهجوم يتوقع مقتل 500 مدني أو عدد يقارب 500، ولم يعتمد هجوماً من هذا النوع ولم ينفذه.
القتل الجماعي المتعمد:
لا شك في الدمار الهائل والعدد المرتفع من الضحايا المدنيين في غزة. لكن ذلك وحده لا يترتب عليه قانونياً لا إثبات نية قتل المدنيين ولا إثبات وقوع إبادة جماعية. فلهذين الأمرين شروط قانونية خاصة لا يحل محلها تقدير الأضرار الجانبية.
عمليات قتل بالذكاء الاصطناعي في غزة: ماذا يقول الجيش الإسرائيلي عن التقنية؟
ولهذا تحديداً، فإن السؤال البسيط «هل تستخدم إسرائيل الذكاء الاصطناعي في الحرب؟» لا يقود بعيداً. فإسرائيل نفسها تؤكد استخدام معالجة البيانات الحديثة. كما أن التوسع الأوسع في الروبوتات والذكاء الاصطناعي داخل الجيش الإسرائيلي موثق علناً أيضاً. وفي 18 يونيو 2024، نشر الجيش الإسرائيلي بالفعل عرضاً مفصلاً عن استخدام تقنيات البيانات في تحليل المعلومات الاستخباراتية. تصف فيه، من بين أمور أخرى، «هبسورا» و«لافندر».
وفقًا لهذا العرض، تجمع «هبسورا» معلومات استخباراتية مختلفة موجودة مسبقًا، وتلفت انتباه المحللين إلى البيانات التي قد تكون ذات صلة بتحقيقهم. ولا يجوز أن يكون اقتراح النظام وحده كافيًا لإعلان أن شيئًا ما هدف عسكري. بل يجب أن يتولى محلل بشري مدرَّب تحديده، ثم يؤكده ضابط استخبارات مخوَّل.
وتصف القوات الإسرائيلية «لافندر» بأنها قاعدة بيانات ترتب المعلومات الموجودة عن الأشخاص المحتمل انتماؤهم إلى منظمات إرهابية وتربط بينها. وهنا أيضًا يوضح الجيش صراحة أن إدراج شخص في قاعدة البيانات لا يكفي وحده لتحديده بوصفه طرفًا عسكريًا يمكن استهدافه. ويظل قرار شن الهجوم في نهاية المطاف بيد قائد عمليات.
هذا وصف إجرائي منشور ويمكن التحقق منه. وهو لا يثبت أن كل جندي وكل وحدة التزموا بهذه القواعد في كل مرحلة من مراحل الحرب. لكنه يتمتع بدرجة مختلفة من القوة الإثباتية مقارنة بادعاء غير قابل للتحقق بشأن ما كانت الإجراءات الرسمية تنص عليه، كما يُزعم، من حيث المبدأ.
التقدير ليس خرقًا للقانون بعد
تدرج منظمة حلف شمال الأطلسي «تقدير الأضرار الجانبية»، المعروف اختصارًا باسم CDE، صراحةً ضمن عناصر تخطيط الأهداف العسكرية في عقيدتها المشتركة لاستهداف الأهداف AJP-3.9. ومن الناحية القانونية، لا تكمن المسألة في مجرد وجود مثل هذا التقدير. فوفقًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، يتعين على المخططين العسكريين التحقق مما إذا كانت الأضرار المتوقعة التي تلحق بالمدنيين ستكون مفرطة قياسًا إلى الميزة العسكرية المحددة والمباشرة، وما التدابير الاحترازية الممكنة التي يمكن اتخاذها.
ولا يحدد القانون الدولي الإنساني حدًا رياضيًا أعلى ثابتًا في هذا الصدد. فمقتل عشرة أو عشرين أو مئة مدني متوقع لا يكون قانونيًا أو غير قانوني تلقائيًا لمجرد العدد. والعوامل الحاسمة هي الهدف العسكري المحدد، والميزة العسكرية المتوقعة، والبدائل المتاحة، والتدابير الاحترازية الممكنة، والمعلومات التي كانت متاحة بصورة معقولة لصانعي القرار في ذلك الوقت.
يبدأ الخلاف الجاد في الأسابيع الأولى من الحرب
وهذا لا يلغي الانتقادات الموجهة إلى إدارة إسرائيل للحرب آنذاك. فقد خلص تحقيق موسع أجرته «نيويورك تايمز»، وأفادت رويترز بشأنه في ديسمبر 2024، إلى أن القوات الإسرائيلية عدّلت قواعد اشتباكها مباشرة بعد 7 أكتوبر وسمحت بمخاطر أكبر على المدنيين. ووصف التقرير، من بين أمور أخرى، صلاحيات أوسع لاتخاذ القرار في الهجمات، وحالات يُفترض أن مخاطر مدنية مرتفعة قُبلت فيها أثناء استهداف أعضاء رفيعي المستوى في حماس.
وردّت القوات الإسرائيلية على ذلك بالتفصيل في يناير 2025. وأكدت أن التعليمات العملياتية عُدّلت بعد هجوم حماس، نظرًا إلى الوضع العسكري الفوري، لكنها عارضت تصوير الأمر على أنه تفويض شامل بأعداد محددة من الضحايا. وقالت إن عتبات معينة كانت تنظم، من بين أمور أخرى، أي مستوى قيادي يتعين عليه الموافقة على الهجوم. ووفقًا لعرض القوات الإسرائيلية، ظل إجراء تقييم فردي للتناسب إلزاميًا لكل هجوم.
وهذا النقاش أكثر جدية بكثير من مجرد إثبات وجود قاعدة بيانات. فالسؤال هنا هو ما إذا كانت عتبات المخاطر المدنية المقبولة قد تغيرت بوضوح في المرحلة الأولى من الحرب، وكيف أثرت هذه التغييرات عمليًا، وما إذا كانت جميع الضوابط المفروضة قد عملت فعلًا تحت ضغط الوقت الهائل.
ومن اللافت أيضًا جانب آخر في رد القوات الإسرائيلية لعام 2025. فقد نقلت «نيويورك تايمز» عن ثلاثة ضباط أن أفرادًا في وحدات أخرى عوملوا في بعض الحالات بوصفهم مقاتلين مؤكَّدين بمجرد إدراجهم في «لافندر». وقالت القوات الإسرائيلية إنها لا علم لها بمثل هذه الوقائع. لكنها أضافت أن هذا التصرف سيكون مخالفًا لبروتوكولاتها الخاصة.

الحرب لم تبدأ بقاعدة بيانات للذكاء الاصطناعي
ينبغي أيضًا إدراج نقطة انطلاق الحرب في سياقها. فقد بدأ النزاع العسكري الحالي بعد المجزرة التي قادتها حماس في 7 أكتوبر 2023، والتي قُتل فيها نحو 1,200 شخص في إسرائيل، واقتيد أكثر من 250 شخصًا رهائن إلى قطاع غزة. وفي الوقت نفسه، تعرضت مدن إسرائيلية لقصف صاروخي مكثف.
ولا تبرر نقطة الانطلاق هذه تلقائيًا كل قرار عسكري لاحق. لكنها تفسر لماذا لم تكن إسرائيل، اعتبارًا من 7 أكتوبر، تعمل في جولة محدودة اعتيادية في غزة، بل تخوض حربًا ضد منظمة كانت قد بنت على مدى سنوات بنية تحتية عسكرية في منطقة شديدة الكثافة السكانية.
وأظهر مثال محدد في يونيو 2025 مدى تقارب الهياكل العسكرية والمدنية أحيانًا. فقد أفادت رويترز في 8 يونيو عن تفقد مجمع أنفاق كشفته القوات الإسرائيلية تحت المستشفى الأوروبي في خان يونس. وأُدخلت مجموعة صغيرة من الصحفيين الأجانب إلى النفق. وكان المدخل، وفقًا لتقرير رويترز، يقع مباشرة أسفل قسم الطوارئ في المستشفى. ووصفت القوات الإسرائيلية المنشأة بأنها مركز قيادة لحماس، وقالت إنه عُثر فيها، من بين أمور أخرى، على أسلحة وذخائر وأموال ووثائق. كما عُثر هناك، بحسب قولها، على جثمانَي محمد السنوار وقائد حماس الرفيع محمد شبانة.
وفي الوقت نفسه، تشير رويترز إلى أن إسرائيل اتهمت مرارًا خلال الحرب حماس باستخدام مستشفيات أو منشآت مدنية أخرى لأغراض عسكرية، وأن حماس تنفي هذه الاتهامات مرارًا، كما تعذر تأكيد كل ادعاء إسرائيلي بصورة مستقلة. غير أن النفق الواقع تحت المستشفى الأوروبي ليس اتهامًا مجردًا: فقد عاين صحفيون أجانب المنشأة التي كُشف عنها بأنفسهم.
وبالنسبة إلى تقييم التناسب، يغير مثل هذا السياق الوضع العملياتي تغييرًا كبيرًا. فلا يفقد الهدف العسكري صفته تلقائيًا لمجرد وجوده داخل بنية تحتية مدنية أو تحتها. وفي الوقت نفسه، تظل إسرائيل ملزمة بتجنب الأضرار المدنية أو تقليلها قدر الإمكان، والامتناع عن الهجوم إذا كان الضرر المدني المتوقع مفرطًا مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة.
24 مصدرًا مجهولًا هي مادة، وليست شهادة جودة
تُحمى هويات الأشخاص الذين أُجريت معهم مقابلات في «نازا». وقد يكون ذلك ضروريًا للعمل الاستقصائي. لكنه يخلق مشكلة لا مفر منها عند تقييم الإفادات: فلا يستطيع الخارجون عن الموضوع التحقق بأنفسهم من الرتبة أو الوظيفة المحددة أو فترة الخدمة أو المعرفة المباشرة أو إمكانية الوصول إلى مستويات اتخاذ القرار الموصوفة.
وتهاجم القوات الإسرائيلية هذه النقطة تحديدًا. فبحسب بيانها الصادر في 11 سبتمبر، تتعلق بعض الإفادات بالاستراتيجية الوطنية أو العسكرية، رغم أن وظائف الأشخاص الذين أُجريت معهم المقابلات، في رأي الجيش، لم تكن تتيح لهم الاطلاع المناسب. كما أن إفادات أخرى تصف وقائع لم يكن أفراد الاستخبارات العسكرية مشاركين فيها أصلًا بالوظيفة المزعومة.
ولا تدحض مثل هذه الاعتراضات المصادر المجهولة تلقائيًا. لكنها تحول دون التعامل مع إفاداتها، لمجرد كثرتها، بوصفها وقائع أكدتها مصادر مستقلة. والعامل الحاسم هو ما إذا كانت وثائق أو إجراءات معروفة أو بيانات عملياتية محددة أو مصادر أخرى مستقلة بعضها عن بعض تؤيد الاتهام نفسه.
القانون الدولي ليس مسألة مزاج
تصبح المناقشة حول عمليات القتل بالذكاء الاصطناعي إشكالية على نحو خاص عندما تُدمج المصطلحات العسكرية والقانونية بعضها في بعض. فالأضرار الجانبية المتوقعة تعني، في البداية، التنبؤ بوقوع أضرار غير مقصودة على المدنيين عند مهاجمة هدف عسكري. ووجود هذا التقدير لا يثبت بعدُ وقوع قتل متعمد.
وعلى العكس، فإن وصف الضرر بأنه «ضرر جانبي» لا يجعل الهجوم قانونيًا تلقائيًا. فقد يخالف الهجوم القانون الدولي الإنساني إذا لم يكن الهدف عسكريًا، أو كانت الأضرار المدنية المتوقعة مفرطة، أو لم تُتخذ التدابير الاحترازية المتاحة، أو انتُهكت قواعد حماية أخرى. ويجب فحص هذه المسائل استنادًا إلى الهجوم المحدد.
وينطبق الأمر نفسه على مصطلح الإبادة الجماعية. فارتفاع أعداد الضحايا والدمار الهائل والمعاناة الإنسانية الشديدة لا تتطابق، في حد ذاتها، مع الإثبات القانوني المحدد لنية ارتكاب إبادة جماعية. ومن يستخدم هذا المصطلح يجب أن يخضع لشروطه القانونية. ولا يحل تقدير الأضرار الجانبية محل هذا الإثبات، لا في هذا الاتجاه ولا في الاتجاه المعاكس.
يبدأ السؤال الأصعب بعد الخوارزمية
رغم كل الانتقادات الموجهة إلى التبسيط الحاد في الفيلم، تظل هناك مسألة جدية قائمة. فلا يلزم أن يطلق نظام حاسوبي هجومًا بنفسه كي يؤثر تأثيرًا كبيرًا في القرارات البشرية. فعندما يتعذر على المحللين البحث يدويًا في كميات ضخمة من البيانات، وتقوم الأنظمة التقنية بفرز المعلومات وترجيحها وربط بعضها ببعض، فإن بنية هذه الأنظمة تؤثر حتمًا في ما يراه الإنسان أولًا وفي ما يوجه إليه انتباهه.
ولهذا السبب تحديدًا يجب التمييز بين عدة خطوات: جمع البيانات، ودمج المعلومات الموجودة، وترتيب أولوية المؤشرات المحتملة، وتحديد هدف عسكري من جانب إنسان، وإجراء تقييم للتناسب، وأخيرًا اتخاذ قرار الهجوم. ومن يلخص كل هذه الخطوات تحت شعار «الذكاء الاصطناعي يختار الأهداف» يحول عملية معقدة إلى عنوان جذاب، لكنه لا يقدم بعد وصفًا دقيقًا.
ووفقًا للوائح القوات الإسرائيلية المتاحة علنًا، تفصل بين الأدوات التقنية والهجوم عدة قرارات بشرية. ولا يمكن لإجراء مكتوب وحده أن يثبت الالتزام بهذه الضوابط في كل وحدة وفي كل وقت. لكن إثبات وجود عملية قتل مؤتمتة بصورة منهجية يحتاج أيضًا إلى أكثر من إفادات مجهولة وتكرار اتهامات معروفة سابقًا.

البندقية تستطيع تكريم الأفلام، لا فحص ملفات العمليات
حصل «نازا» في 12 سبتمبر على الجائزة الخاصة للجنة التحكيم في مهرجان البندقية السينمائي، واستقبله الجمهور بتصفيق حار وقوفًا لفترة طويلة. وبذلك يمتلك الفيلم بالفعل تأثيرًا سياسيًا وإعلاميًا كبيرًا.
لكن هذا لا يقول الكثير عن القوة الإثباتية لادعاءاته العسكرية. فلجنة تحكيم سينمائية تقيم العمل السينمائي والفني. وهي لا تفحص ملفات العمليات السرية أو جداول الخدمة أو ملفات الأهداف أو سلاسل القيادة. وقد يوضح تصفيق المهرجان مدى قوة تأثير رواية ما. لكنه لا يستطيع تحديد ما إذا كان هجوم محدد، مع توقع سقوط 500 ضحية مدنية، قد حصل في أي وقت على الموافقة.
وفي المقابل، لا يبدد بيان صادر عن القوات الإسرائيلية تلقائيًا كل انتقاد. فعندما تكون الاتهامات المحددة ضد عمليات بعينها موثقة بصورة موثوقة، يجب التحقيق فيها. والجيش نفسه يوضح أن الانتهاكات المشتبه بها للقانون ينبغي الإبلاغ عنها، وأن آليات التحقيق والملاحقة الجنائية التابعة له ستتولى فحصها.
إن الخلاف حول «NAZA» لا يبدأ من وجود تكنولوجيا البيانات الإسرائيلية. فهذا الأمر موثّق. والسؤال الحاسم هو: ما القرارات التي تهيّئ هذه الأنظمة لاتخاذها، ومن هم الأشخاص الذين يراجعونها، وما العتبات المعمول بها في المرحلة الأولى من الحرب، وما إذا كانت الضوابط المفروضة قد التُزمت في الاستخدام المحدد. ولهذا تحديدًا نحتاج إلى أدلة، لا إلى فيلم مؤثر فحسب.
«NAZA» يطرح أسئلة خطيرة بشأن أسلوب إسرائيل في خوض الحرب. لكنه لا يجيب عنها لمجرد أن 24 صوتًا مجهولًا تصف الاتجاه الأساسي نفسه. وبوجه خاص، فإن الادعاء بوقوع 500 ضحية مدنية متوقعة يتطلب أكثر من إفادة لا يمكن التحقق منها، بعدما نفته قوات الدفاع الإسرائيلية صراحة وبشكل محدد. لذلك، من يريد التحقق من الاتهام بوقوع عمليات قتل بالذكاء الاصطناعي في غزة، ينبغي أن ينظر إلى موضع الخلاف الحقيقي: القواعد، والتغييرات التي طرأت عليها بعد 7 أكتوبر، والرقابة البشرية، والقرارات المحددة الكامنة وراء هجمات بعينها. وما عدا ذلك لا ينتج في المقام الأول سوى التأثير. والبندقية مكان ممتاز لذلك، لكنها ليست عملية لتدقيق الحقائق.
ℹ️ قاعدة الحقائق والمصادر الأولية للمقال 📑
▶️ قوات الدفاع الإسرائيلية:
ردّ المتحدث باسم قوات الدفاع الإسرائيلية عقب نشر فيلم «NAZA»
بيان رسمي مؤرخ في 11 سبتمبر 2026 بشأن المصادر المجهولة، والاتهامات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والتصريحات القانونية، والموافقة البشرية على الهجمات.
▶️ قوات الدفاع الإسرائيلية:
استخدام قوات الدفاع الإسرائيلية لتقنيات البيانات في معالجة المعلومات الاستخبارية
عرض مفصل مؤرخ في 18 يونيو 2024 بشأن «هبسورا» و«لافندر»، وتحديد الأهداف بشريًا، وتقدير الأضرار الجانبية، والموافقة العسكرية على الهجوم.
▶️ قوات الدفاع الإسرائيلية:
أساليب تحديد الأهداف لدى قوات الدفاع الإسرائيلية خلال الأسابيع الأولى من حرب حماس وإسرائيل
بيان مؤرخ في 26 يناير 2025 بشأن القواعد المعدلة بعد 7 أكتوبر، وعتبات المخاطر المدنية، و«لافندر»، والانتهاكات المحتملة للبروتوكولات الداخلية.
▶️ مجلة +972 / Local Call:
«لافندر»: آلة الذكاء الاصطناعي التي توجّه حملة القصف الإسرائيلية في غزة
التحقيق الأصلي الذي أجراه يوفال أبراهام في 3 أبريل 2024، والذي يبني «NAZA» صراحة على موضوعاته وبيئة مصادره.
▶️ الغارديان:
NAZA – فيلم جديد من إخراج يوفال أبراهام وراشيل زور، من إنتاج الغارديان
إعلان الإنتاج، متضمنًا معلومات عن إنتاج الغارديان، والمنتج التنفيذي جوناثان غليزر، والارتباط بتحقيقات سابقة أجرتها +972 وLocal Call والغارديان.
▶️ دانيال هانوكا / X:
منشور بتاريخ 13 سبتمبر 2026 يتضمن مقطع فيديو أقدم ليوفال أبراهام
مثال على التأطير السياسي الراهن للمقطع بعد جائزة البندقية. يصف النص المرافق أبراهام بأنه «خائن»، ويربط مطالبته بالضغط الدولي بفيلم «NAZA».
▶️ مجلة +972:
إسرائيل تستعد لطرد عائلة من الشيخ جراح في العام الجديد
مقال بقلم يوفال أبراهام وأورن زيف من عام 2021. يوثّق المقال منشورًا سابقًا لأبراهام كان يطالب فيه صراحة بضغط دولي عاجل.
▶️ العربي الجديد:
على الجانب الآخر من الجدار: دور القصص الفلسطينية في اللغة العبرية
مقال بقلم أحمد النوق من عام 2022 حول التأسيس المشترك لمشروع «Across the Wall»، وتوجهه، والحل الذي يقوم صراحة على دولة واحدة.
▶️ مجلة +972:
«مصنع اغتيالات جماعية»: من داخل القصف الإسرائيلي المحسوب لغزة
يصف يوفال أبراهام أحمد النوق في المقال بأنه صديق وزميل مقرّب، ويشير إلى التأسيس المشترك لصفحة فيسبوك العبرية «Across the Wall».
▶️ لوموند:
الصحفي الفلسطيني المقيم في لندن أحمد النوق فقد أكثر من 21 فردًا من عائلته في غزة
بروفايل عن أحمد النوق. تصفه لوموند بأنه صحفي، وتذكر أن شقيقه أيمن كان، وفق تحقيق سابق، عضوًا في كتائب عز الدين القسام.
▶️ وزارة الدفاع البريطانية / حلف الناتو:
العقيدة المشتركة للحلفاء بشأن الاستهداف المشترك (AJP-3.9)
عقيدة للناتو متاحة للعامة بشأن التخطيط المشترك للأهداف. ويذكر المنشور صراحة «تقدير الأضرار الجانبية» باعتباره عنصرًا من عناصر عقيدة الاستهداف.
▶️ اللجنة الدولية للصليب الأحمر:
الأسئلة الشائعة: القانون الدولي الإنساني وتصاعد النزاع في الشرق الأوسط
شرح للقواعد المتعلقة بالتمييز، والتناسب، والضرر المدني المتوقع، والاحتياطات الواجب اتخاذها أثناء الهجمات.
▶️ رويترز:
الجيش الإسرائيلي خفف قواعد الاشتباك في بداية حرب غزة، وفقًا لما أوردته نيويورك تايمز
ملخص لتحقيق نيويورك تايمز حول القواعد العملياتية المعدلة وارتفاع عتبات المخاطر المدنية في المرحلة الأولى من الحرب.
▶️ رويترز:
إسرائيل تكشف عن نفق أسفل مستشفى في غزة وتقول إن جثمان شقيق السنوار عُثر عليه هناك
تقرير بتاريخ 8 يونيو 2025 حول تفقد صحفيين أجانب مجمع أنفاق أسفل المستشفى الأوروبي في خان يونس، وحول الموجودات التي وثقتها قوات الدفاع الإسرائيلية هناك.
▶️ رويترز:
مُبلّغون إسرائيليون يكشفون تفاصيل عن حصيلة المدنيين في غزة في فيلم عُرض في البندقية
تقرير عن العرض الأول، وعن الأشخاص الـ24 الذين أُجريت معهم مقابلات مجهولة، وعن الاتهامات الرئيسية التي يطرحها الفيلم، وعن قول أبراهام إن المسؤولية تعتمد أيضًا على الإرادة السياسية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
▶️ تايمز أوف إسرائيل:
قوات الدفاع الإسرائيلية تنفي ما ورد في وثائقي «NAZA» الجديد من أنها خططت لهجوم في غزة مع توقع مقتل 500 مدني
توثيق للنفي المحدد اللاحق من جانب قوات الدفاع الإسرائيلية لادعاء توقّع مقتل 500 مدني.
▶️ رويترز:
قائمة الفائزين في مهرجان البندقية السينمائي لعام 2026
توثيق منح «NAZA» جائزة لجنة التحكيم الخاصة في 12 سبتمبر 2026.
🔎 اكتشفت خطأً أو لديك نقد أو إضافة؟
يمثل SCHLAGSEITE.eu البحث الدقيق والتصحيحات الشفافة. هل اكتشفت خطأً موضوعيًا، أو صياغة غير واضحة، أو رابطًا معطّلًا؟ فأرسل إليّ ملاحظتك. ويرجى، إن أمكن، إرفاق مصدر يمكن التحقق منه.






